العيني

286

عمدة القاري

النصب على الظرفية ، ويكون : يوم الرضع ، مبتدأ وخبره الظرف فيما يتعلق قبله ، تقديره : وفي هذا اليوم يوم الرضع ، يعني : يوم هلاك اللئام . قوله : ( فاستنقذتها ) أي : استخلصتها منهم . قوله : ( قبل أن يشربوا ) أي : الماء ، بدليل قوله : إن القوم عطاش . قوله : ( فأقبلت بها ) أي : باللقاح . قوله : ( أسوقها ) أي : حال كوني أسوق اللقاح التي أخذها غطفان وفزارة . قوله : ( فلقيني النبي صلى الله عليه وسلم ) وكان ذلك عشاء . ومع النبي صلى الله عليه وسلم ناس ، وتوضيح ذلك : أن عيينة بن حصن الفزاري لما أغار على لقاح النبي صلى الله عليه وسلم في خيل من غطفان أربعين فارساً ، وكان ذلك ليلة أربعاء ، جاء الصريخ فنودي : يا خيل الله اركبي ، وكان أول ما نودي بها ، فركب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم وخرج غداة الأربعاء في الحديد مقنعاً ، فوقف فكان أول من أقبل إليه المقداد بن عمرو ، وعليه الدرع والمغفر شاهراً سيفه ، فعقد له رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، لواء في رمحه ، وقال : إمضِ حتى تلحقك الخيول وأنا على إثرك ، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم ، وخلف سعد بن عبادة في ثلاثمائة من قومه يحرسون المدينة ، قال المقداد : فأدركت أخريات العدو وقد قتل أبو قتادة مسعدة ، وقتل عكاشة أبان بن عمرو ، وقتل المقداد حبيب بن عيينة وفرقد بن مالك بن حذيفة ابن بدر ، وأدرك سلمة بن الأكوع القوم وهو على رجليه ، فجعل يراميهم بالنبل ، ويقول : خذها وأنا بن أكوع اليوم يوم الرضع ، حتى انتهى بهم إلى ذي قرد ، قال سلمة : فلحقنا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، والناس عشاء وهذا معنى قوله : ( فلقيني النبي صلى الله عليه وسلم ، فقلت : يا رسول الله إن القوم عطاش ) وهو جمع عطشان . قوله : ( وإني أعجلتهم قبل أن يشربوا سقيهم ) ، بكسر السين وسكون القاف ، وهو : الحظ من الشرب ، و : أن يشربوا ، مفعول له أي : كراهة شربهم . قوله : ( فابعث في إثرهم ) أي : قال سلمة : يا رسول الله ! ابعث في إثرهم ، وفي رواية ابن سعد قال سلمة : فلو بعثتني في مائة رجل استنقذت ما بأيديهم من السرح وأخذت بأعناق القوم . فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ( يا ابن الأكوع ملكت ) من المملكة وهي أن يغلب عليهم ويستعبدهم ، وهم في الأصل أحرار . قوله : ( فاسجح ) ، بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وكسر الجيم وفي آخره حاء مهملة : من الإسجاح ، وهو حسن العفو ، أي : إرفق ولا تأخذ بالشدة ، وهذا مثل من أمثال العرب . قوله : ( إن القوم يقرون ) أي : يضافون ، يعني : أنهم وصلوا إلى غطفان وهم يضيفونهم ويساعدونهم فلا فائدة في الحال في البعث لأنهم لحقوا بأصحابهم ، ويقرون هنا من القري وهو الضيافة ، فراعى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لهم رجاء توبتهم وإنابتهم . وقال ابن الجوزي : يقرون ، بضم الياء والراء ، وفسره بأنهم : يجمعون بين الماء واللبن ، وقيل : يغزون ، بغين معجمة وزاي ، وهو تصحيف وفي كتاب ( الدلائل ) للبيهقي : إنهم ليغبقون الآن في غطفان ، فجاء رجل من غطفان فقال : مرُّوا على فلان الغطفاني فنحر لهم جزوراً ، فلما أخذوا يكشطون جلدها رأوا غيرة فتركوها وخرجوا هراباً . انتهى . وتمام القصة : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما لقي سلمة لم تزل الخيل تأتي والرجال على أقدامهم حتى انتهوا إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم بذي قرد ، فاستنقذوا عشر لقائح ، وأفلت القوم بما بقي وهي عشر ، وصلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم بذي قرد صلاة الخوف ، وأقام بها يوماً وليلة . وفي ( الإكليل ) للحاكم : باب غزوة ذي قرد ، قال أبو عبد الله : هذه الغزوة هي الثالثة لذي قرد ، فإن الأولى : سرية زيد بن حارثة في جمادي الآخرة على رأس ثمانية وعشرين شهراً من الهجرة . والثانية : خرج فيها سيدنا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم بنفسه إلى فزارة ، وهي على رأس تسعة وأربعين شهراً من الهجرة . وهذه الثالثة : التي أغار فيها عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله ، صلى الله عليه وسلم فخرج أبو قتادة وابن الأكوع في طلبها ، وذلك في سنة ست من الهجرة ، وقال ابن إسحاق في غزوة ذي قرد : إنه كان أول ما بدر بهم سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي غداً يريد الغابة متوشحاً قوسه ونبله ومعه غلام لطلحة بن عبيد الله معه فرس له ، وكان يقوده ، حتى إذا علا ثنية الوداع نظر إلى بعض خيولهم فأشرف في ناحية سلع ثم صرخ : واصباحاه ، ثم خرج يشد في آثار القوم ، وكان مثل السبع حتى لحق بالقوم ، فجعل يرميهم بالنبل ، ويقول إذا رماها : خذها وأنا ابن الأكوع اليوم يوم الرضع . قال ابن إسحاق : وبلغ رسول الله ، صلى الله عليه وسلم صياح ابن الأكوع ، فصرخ بالمدينة : الفزع الفزع ، فترامت الخيول إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم فكان أول من انتهى إليه من الفرسان المقداد بن الأسود وجماعة آخرون ، ذكرهم ابن إسحاق قال : وسار رسول الله ، صلى الله عليه وسلم حتى نزل بالجبل من ذي قرد ، وتلاحق به الناس فأقام عليه يوماً وليلة . وقال له سلمة بن الأكوع : يا رسول الله ! لو سرحتني في مائة رجل